سرت طيلة الأسبوع الماضي إشاعات بين التونسيين وبثت الهلع والفوضى في مدن عديدة وبشكل متزامن، مما استدعى تدخل مسؤوليين أمنيين في وسائل الإعلام لتكذيبها. مما يدفع إلى التساؤل حول مصدر هذه الأخبار الزائفة والمصالح التي تختفي وراء ترويجها.

ما أن وضعت الثورة التونسية أوزارها حتى برزت تحديات جديدة أمام التونسيين. فإضافة للهاجس الأمني واستعادة وتيرة الحياة العادية وضمان عودة تدريجية لمؤسسات الدولة، أصبح التونسيون يواجهون عدوا جديدا هو الشائعات والأخبار الزائفة، التي يسعى مروجوها إلى بث السموم في المجتمع التونسي لغايات ودوافع مختلفة. فمن له مصلحة في هذا الظرف الدقيق بالذات في العبث بانجازات الثورة الشعبية؟ وإلى أي مدى يمكن الوثوق في صحة الأخبار المتداولة حول الأوضاع الراهنة في تونس؟

هجمات على المتاجر والجامعات وعمليات سطو واغتصاب

طيلة الأسبوع الماضي انتشرت على صفحات فيس بوك وبين المواطنين أخبار حول انفلات أمني واسع شهدته أبرز المدن التونسية ، كتونس العاصمة وصفاقس وبنزرت تحدثت الأخبار عن هجمات شنتها عصابات مسلحة بالهراوات والأسلحة البيضاء والمسدسات على متاجر ومساكن ومباني جامعية. وتناقل البعض أخبارا عن وقوع عمليات اغتصاب في صفوف طالبات في مؤسسات جامعية في مدينة منوبة وحدوث عمليات اختطاف لتلاميذ مدارس إعدادية في مدينة أريانة وأخرى في المهدية. كما ردد البعض أخبارا عن قيام جماعات مجهولة الهوية بعمليات سطو على بنوك وفروع مصرفية في تونس العاصمة وأهم المدن التونسية في وقت متزامن.

وتعالت الأصوات المطالبة بإعادة تشكيل اللجان الشعبية التي تكونت عشية سقوط نظام بن علي لحماية الأفراد والممتلكات.

ميليشيات من الحرس الرئاسي؟ أفراد من الشرطة؟ مواطنين فقراء؟

ولئن اتفقت الأخبار المتداولة والتي انتشرت بشكل واسع حول وجود عمليات منظمة لبث الفوضى في تونس فإنها اختلفت في تحديد هوية هذه المجموعات، وتراوحت التخمينات بين اعتبارها ميليشيات من الحرس الرئاسي التابع لبن علي، أو أفرادا من الشرطة تم عزلهم بعد قيام الثورة في تونس، أو مواطنين فقراء ينتمون إلى أحياء شعبية فقيرة يريدون استغلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها تونس للسطو والسلب والنهب قبل أن يستتب الأمن من جديد.

الصحفي خميس بن بريك صرح لفرانس 24 بأن الأخبار التي عمت الشارع التونسي خلال الأسبوع الماضي أخذت طابع كرة الثلج حيث تداول الناس في البداية أخبارا عن عودة القناصة إلى استهداف المواطنين، ثم وقوع عمليات اختطاف. وتزامنت هذه الأخبار مع إضراب أفراد الشرطة والأمن عن العمل طيلة يومين للمطالبة بتحسين أوضاعهم المادية والشخصية. وحسب خميس فإن هذه الإشاعات انتشرت في هذا الظرف بالذات خاصة بعد أن هاجم أفراد الشرطة وزارة الداخلية بكل ما تعنيه من رموز ومحاولتهم الاعتداء على وزير الداخلية الجديد فرحات الراجحي. وتضخمت هذه الأخبار بشكل سريع لتصل إلى حد الحديث عن حرب داخلية طاحنة بين الأجهزة الأمنية.

ويقول بن بريك إن انتشار هذه الأخبار التي ثبت زيفها بعد وقت قصير، بث الهلع والبلبلة في صفوف المواطنين، وهزت ثقة المواطنين في أنفسهم وفي الوضع الأمني، مما دفع بالعديد من الأولياء إلى مغادرة أماكن عملهم والانتقال إلى المدارس للعودة بأبنائهم إلى ديارهم وهو ما رغب المروجون الوصول إليه.

الحياة تعود تدريجيا إلى مجراها الطبيعي

سمير السعيدى هو رجل أمن من منطقة باردو المتاخمة للعاصمة، قال لفرانس 24 إن هذه الأخبار التي تداولها الشارع التونسي على نطاق واسع طيلة الأسبوع الماضي والتي أكدت وجود عمليات اختطاف واقتحام لمنازل مواطنين وحتى لمنازل جامعية هي ليست سوى أخبار كاذبة تأكدت المصادر الأمنية من عدم صحتها. وما حادثة اختطاف تلميذ من مدينة أريانة إلا دليل على أن هذه الأخبار اختلقها البعض لبعث الفوضى ، حيث تبين أن هذا التلميذ قام بالاختفاء بمحض إرادته وعثر عليه بعد ساعات قليلة.

ويؤكد رجل الأمن أن البلاد بدأت تشهد عودة تدريجية للحياة الطبيعية بعد تلاشي كل مظاهر الفوضى والفلتان الأمني التي ظهرت في أول أيام سقوط نظام بن علي. فالمراكز التجارية الكبرى أعادت فتح أبوابها والمواطنون عادوا إلى العمل بصفة عادية والدروس استؤنفت في المدارس الإعدادية و المؤسسات الجامعية. وخير دليل على ذلك صدور قرار من وزارة الداخلية بتخفيف حظر التجول من منتصف الليل إلى الرابعة صباحا، مما يعنى أن البلاد بصدد تجاوز المرحلة الأصعب وهي استعادة التوازن الأمني.

ويؤكد سمير السعيدي أن هذه الإشاعات قد يكون مصدرها فلول جهاز الأمن الرئاسي السابق ، خاصة أن هذه العناصر تمكنت من التسلل إلى الانترنت وصفحات “فيس بوك” لبث الفوضى والإشاعات خاصة بعد اعتقال أبرز رموزها وعناصرها وأضاف أن بقايا هذه العناصر تعمل الآن بصفة غير منظمة ليس كما كان الحال في البداية، كما أن المواطنين يواصلون بصفة عفوية إبلاغ الجيش عن أماكن تواجد بقايا هذه الميليشيات ولاعتقالها.

ولم يخف سمير السعيدي ابتهاجه للعلاقة الجديدة التي أصبحت تربط المواطن التونسي بالأجهزة الأمنية بعد مرحلة الشك التي سادت هذه العلاقة في عهد بن علي. واستشهد بصفحات فيس بوك التي تضم الآلاف من الأعضاء الذين يدعمون وزير الداخلية الجديد فرحات الراجحي الذي يحظى بشعبية واسعة لدى التونسيين لوضوح خطابه وصراحته غير المعهودة لدى من شغل هذا المنصب الحساس طيلة عقود.